الشيخ محمد الصادقي
193
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
« قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ » والثرب شحمة رقيقة هي غاشية الكرش ، والتثريب هو إزالة هذه الغاشية فيبين الكرش ، فهو هنا التقريع والتعييب بالذنب ، وكما يروى عن الرسول ( صلى اللّه عليه وآله وسلم ) « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثربها » فان في تثريبها مع جلدها اعتداء عليها بأكثر من ذنبها ، وفي تأنيبها دون جلدها تبديل حكم اللّه إلى غيره ! بذلك الصفح ينهي موقفهم المخجل الشائن وكأنه هو الذي يعتذر منهم ، فقد انتهى أمري على إمره ولم تعد له جذور ، وإذا كان من حقي اعتداء بالمثل فأنا أرجّح العفو « فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ » . ذلك خطأكم عندي و « لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ » وأما عند اللّه فقد « يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ » لأني قد غفرت لكم واستغفرت وإذا أنا - العبد المربوب - أرحمكم وأغفر لكم ، فبأن يرحمكم اللّه ويغفر أحرى وأحق « وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ » لا سيما وأن غضبه لم يكن إلا لاغتضابي باغتصابي عن أبي ! ثم « يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ » قد تجمع بين الإخبار والإنشاء وما أحلاه جمعا وما أجمعه حلوا . وهكذا يكون حق الناس ، أن اللّه لا يغفر لمن ضيّعه إلّا ان يغفره صاحب الحق ، وما أحسنه إذا كان الغافر له هو المستغفر له بجنب استغفار الخاطئ لنفسه بعد اعترافه بالخطيئة . « لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ » مني كصاحب الحق الأصيل ، ولا ممن سواي وبأحرى حيث الدخيل زائل بزوال الأصيل « لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ » مهما كان عليكم قبل اليوم تثريب وتخجيل كما كان من يعقوب من ذي قبل بحق القول : « قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ . . » ( 64 ) « قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً » ( 83 ) وكما كان مني أنا لمّا اتهمتموني وأخي بالسرقة : « قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ » ( 77 ) .